عبد الكريم الخطيب

1158

التفسير القرآنى للقرآن

فيكذبون على أنفسهم ، ويزيفون الحقّ ، ويلبسونه ثوب الباطل ، حتى يخدعوا به عقولهم ، ويريدوها على قبوله والتسليم به . . فهم يقولون في الرسول . . إنه مجنون . . وإنه شاعر . . وإنه ساحر . . وإنه كذاب مفتر - يقولون هذا ، وهم على معرفة كاملة بالرسول ، من مولده ، ومن قبل مولده ، إلى أن جاءهم برسالة ربه . . فما عرفوا فيه شيئا مما يتهمونه به زورا وبهتانا . . بل لقد عرفوه العاقل الرشيد ، والصادق الأمين ، والطاهر العفّ . . وأنه كان في صباه يتحلّى بأحسن ما يتحلّى به الرجال ، من حكمة ورويّة ، ورشاد . . وأنه ما كذب قط ، ولا قال هجرا قط ، ولا نطق بشعر أبدا ، ولا طاف بصنم أبدا . . أما قولهم عن الرسول : « بِهِ جِنَّةٌ » فهو أشنع تهمة يتهم بها القوم في تفكيرهم ، وتقديرهم . . وقد يكون سائغا منهم أنهم لم يتدبروا القول ، فكثير من الناس لا يتدبرون القول ، ولا يحسنون الفهم . . ! وقد يكون مقبولا أيضا أن يحمدوا على ما هم عليه من عادات موروثة . . فإن كثيرا من الناس يعيشون في عادات وتقاليد ، كما تعيش الحيوانات الرّخوة في أصدافها وفواقعها . . ! وقد يمكن أن يساغ - ولو بمرارة ووقاحة - إنكار الحقائق الثابتة ، والتعامي عن الواقع المحسوس . . ! فكثير من الناس يكابرون في الحق ، ويمارون في الواقع ، ولا تعلو وجوههم صفرة الخجل ، ولا تندى جباههم بقطرة حياء ! أما الذي لا تتسع له المكابرة ، ولا يحتمله التبجّح ، فهو الكذب الصّراح ،